محمد أبو زهرة

1706

زهرة التفاسير

وقد يكون معنى الكتاب هنا جنسه ، وهو يشمل ما بقي عندهم معلنا معرفا ، وإن كان ناقصا محرفا . مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ هذا إنذار بسوء العاقبة في الدنيا والآخرة إن لم يؤمنوا ، وقد جاء في مفردات الأصفهاني في معنى الطمس ما نصه : ( الطمس إزالة الأثر بالمحو ، قال تعالى : فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ( 8 ) [ المرسلات ] ، رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ . . . ( 88 ) [ يونس ] أي أزل صورتها ، وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ . . . ( 66 ) [ يس ] أي أزلنا ضوءها وصورتها كما يطمس الأثر . وقوله تعالى : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ ، منهم من قال عنى ذلك في الدنيا ، وهو أن يصير على وجوههم الشعر ، فتصير صورهم كصور القردة والكلاب ، ومنهم من قال ذلك هو في الآخرة إشارة إلى ما قال تعالى : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ ( 10 ) [ الانشقاق ] ، وهو أن تصير عيونهم في قفاهم . وقيل معناه يردهم عن الهداية إلى الضلال ، كقوله تعالى : وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ ( 23 ) [ الجاثية : 23 ] . وقيل عنى بالوجوه الأعيان والرؤساء ، ومعناه نجعل رؤساءهم أذنابا وذلك أعظم البوار ) . هذا هو التفسير اللغوي لمعنى الطمس ، وقد حاول الأصفهاني تخريج الآية التي نتكلم في معناها على ما ارتأى من وجوه ، فصرنا حيارى في أيها نختار ، لو اقتصرنا على ما قال ، وقبل أن نبين ما نراه معنى للنص الكريم نبين معنى الأدبار وردها : الأدبار جمع مفرده « دبر » ، هو الخلف ، أو ما اشتملت عليه أجزاء الجسم الخلفية ، والارتداد على الأدبار يكون في القتال يوم الزحف يجعل الوجوه في موضع الأدبار فرارا أو جبنا ، بمعنى أنه كان يجب أن يستقبل المقاتلين بوجهه فينقلب إلى جهة دبره . وقد يكون الارتداد على الأدبار معنويا كقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ ( 25 ) [ محمد ] .